البغدادي
284
خزانة الأدب
فقالت له : قد عرفت حال صبيتي وأن معيشهم منها وأخاف الموت عليهم إن فقدوها . فقال : موتهم أحب إلي من اللؤم . ثم قبض على الشاة فأخذ الشفرة وأنشد : الرجز * قريبتي لا توقظي بنيه * إن يوقظوا ينسحبوا عليه * ثم ذبحها وكشط جلدها وقطعها أرباعاً وقذفها في القدر حتى إذا استوت اثرد في جفنةٍ فعشاهم ثم غداهم فأراد عبيد الله الرحيل : فقال لغلامه : ارم للشيخ ما معك من نفقة . فقال : ذبح لك الشاة فكافأته بمثل عشرة أمثالها وهو لا يعرفك فقال : ويحك إن هذا لم يكن يملك من الدنيا غير هذه الشاة فجاد لنا بها وإن كان لا يعرفنا فأنا أعرف نفسي ارم بها إليه . فرماها إليه فكانت خمسمائة دينار . فارتحل عبيد الله فأتى معاوية فقضى حاجته ثم أقبل راجعاً إلى المدينة حتى إذا قرب من ذلك الشيخ قال لغلامه : مل بنا إليه ننظره في أي حالة هو فانتهيا إليه فإذا برجلٍ سري عنده دخانٌ عالٍ ورماد كثير وإبل وغنم ففرح بذلك وقال له الشيخ : انزل بالرحب والسعة . وقال : أتعرفني فقال : لا والله فمن أنت فقال : أنا نزيلك ليلة كذا وكذا . فقام إليه فقبل رأسه ويديه ورجليه وقال : قد قلت أبياتاً أتسمعها مني فقال : هات . فأنشد هذه الأبيات فضحك عبيد الله وقال : أعطيتنا أكثر مما أخذت منا يا غلام أعطه مثلها فبلغت فعلته معاوية فقال : لله در عبيد الله من أي بيضةٍ خرج وفي أي عش درج وهي لعمري من فعلاته وقوله : توسمته بمعنى تفرسته من التوسم يقال : توسمت فيه الخير أي : طلبت سمته .